أنا الشاعر الفذُّالذي تجحدونه مبين كسحبان وقس بن ساعدة
| ► | مايو 2012 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | |||
| 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 |
| 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 |
| 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 |
| 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | |

أنا الشاعر الفذُّالذي تجحدونه مبين كسحبان وقس بن ساعدة
الشحرور والثعبان
قصيدة لأبي القاسم الشابي
كان الربيع الحي روحا حالما غــض الشباب معطر الجلباب
محمود شاب مهذب ولطيف ،وطالب جامعي متفوق .غير أنه لا يصحب من الأصدقاء إلا القليل !ليس لأنه انطوائي يحب العزلة ،ولكن لأن كثيرا من الشباب في مثل عمره لا يُصحبون ،وهو الذي طالما ردد قول الشاعر واتخذه شعارا:
واختر صديقك تصطفيه مفاخــرا إن القرين إلى المقارن ينســــــــــــب
كن ما استطعت عن الأنام بمعزل إن الكثير من الورى لا يصحـــب
كان معظم شبان الحي مدمنين على التدخين أو المخدرات ،أو آفات أخرى تضر ولا تنفع.وكان التدخين أبغض ما يكره محمود !فهو لايطيق رائحة ذلك الدخان العفن ،لذلك كان لا يرتاد المقاهي مطلقا لعلمه أنها فضاء موبوء بالأبخرة المقززة .وكثيرا ما يمر مهرولا في الشارع إن صادف مدخنا .بل ما أكثر المرات التي ينشب بينه وبين بعض المدخنين نزاع ،خاصة عندما تجمعه بهم الضرورة في الأماكن العمومية كالمكتبات أو الحافلات حيث تطول مدة الرحلة فلا يطيق بعضهم صبرا على فراق سجائره ،فيتغاضى عن لافتات المنع ،ويستخرج علبته ليسحب النفس تلو الآخر وينفثه وسط الركاب دون حياء ! وقلما يتدخل أحد الركاب فيعترض .أما محمود فتثور ثائرته إن رأى احدهم يفعل .لكن حظه في النهاية لا يكون إلا الردع والقمع ،وكثير من السباب والشتائم ! لم يكن يستطيع مجاراة أولئك السفهاء في وقاحتهم فلا يجد إلا أن يبتلع لسانه ،ويتجرع على مضض تلك الكلمات الساقطة التي لا تقيم وزنا للأخلاق ،ولا ترعى حرمة لصغير ولا كبير ! .
ومن كثرة ما تعرض محمود لمثل هذه المواقف ،وصلت به الحال أنه بدأ يفكر في الانتقام من كل المدخنين الذين لا يكتفون بإيذاء أجسامهم وصحتهم ،وإنما يؤذون البيئة والناس من حولهم .لذلك خطر بباله أن يفكر في اختراع يقمع هؤلاء المدخنين دون أن يعرضه للاحتكاك المباشر بهم !
اختمرت الفكرة في ذهنه ،وصارت هدفا نصب عينيه .وعكف في مختبره المتواضع على الأبحاث والدراسات والتجار
عندما يتجاوز الإنسان حد الشبع ،يتغير طعم الأشياء بالنسبة إليه.فيمج طعما أسرف في تذوقه حتى وإن كان مستحسنا ،ويستحسن آخر وإن كان غير ذي بال .فإذا بالغ في الإسراف وتجاوز كل الحدود، فقد ملكة الذوق ،وفقد بالتالي التمييز بين الأشياء،فخلط بين الصالح والفاسد .
أقول هذا وأنا أستحضر ما آلت إليه أذواق الناس من الفساد،حتى لقد بلغت بهم الجرأة أن يعيدوا تصنيف الأشياء على غير ما كانت عليه .فما درج الناس على أنه حسن منذ كان الإنسان ،أصبح اليوم مملا إن لم يعد قبيحا !وما كان قبيحا مستهجنا صار اليوم محببا مرغوبا !والغريب أن هذا التصنيف لم يلق اعتراضا .أو إنه لم يكن اعتراضا فاعلا .
وما أشكال الشذوذ الجنسي إلا نموذج واضح على فساد الأذواق.فالإباحية التي عمت كل أرجاء العالم ،والتي لم يخل منها بر ولا بحر ، يروج لها دعاة الحرية الكاذبة ، كان من نتائجها أن عاف كل من الجنسين الآخر من كثرة العلاقات غير المشروعة !فظهرت المثلية الجنسية في جرأة غريبة سافرة الوجه معلنة التمرد .ولم تجد اعتراضا بحجم الدعم والمساندة والاعتراف الذي لقيته باسم الحرية !!
قد يقال إن الشذوذ كان مذ كان الإنسان ،ولا أحد يعترض على هذه الحقيقة .ولكنه لم يكن يوما ما كما هو الآن .لقد كان مجرد ممارسات شاذة تمارس
الذئب : يضرب به المثل في الغدر : قال الفرزدق في قصيدة له يحكي قصته مع الذئب الذي جاءه ليلا بينما هو يتعشى في الصحراء، فاقتسم معه الشاعر زاده و قال له :
تعش فإن واثقتني لا تخونني نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
وأنت يا ذئب و الغــدر كنتما أخيين كانــــا أرضعــــا بلبــــان
الكلــب : يضرب به المثل في الوفاء. قال ابن الرومي يهجو شخصا :
وجهك يا عمرو فيه طول و في وجوه الكلاب طول
و الكلب واف و فيك غدر ففيك عن قدره سفــــــــول
يعني أنه يشبه الكلب في القذارة، لكن الكلب أفضل منه لأنه وفي و عمرو غدار.
الثعلب : يضرب مثلا في المراوغة و الاحتيال و المكر و الدهاء .
قال الشاعر في وصف الصديق الماكر المحتال :
مر الفرزدق يوما بكُتاب لتحفيظ القرآن والأشعار ,فسمع قارئا يقرأ معلقة لبيد بن أبي ربيعة .فلما وصل إلى قوله :
وَجَلاَ السُّيُول عن الطُّلُول
فتح باب المستشفى المركزي ،فاندفع الناس أفواجا كأنهم إلى نصب يوفضون .من يرى هذا الجمع الغفير من الناس يشك أنه مازال في البلد من هو سليم معافى في بدنه!
كان المستشفى على فخامته وحداثة بنائه متجهما !وكأنه هو الآخر يشكو علة وسقما !أو لعل عدوى العبوس والتشاؤم انتقلت إليه من وجوه المرضى والزائرين !
الأطباء والممرضون أشبه بالعساكر والضباط!أو كالقنابل الموقوتة السريعة الانفجار !يجب أن تفكر ألف مرة قبل أن تتجرأ وتسأل احدهم !فهم أضيق صدرا بالأسئلة التي لا تنتهي ،والتوسلات التي لا تنفد.يتصرفون أحيانا وكأنهم يمتلكون الحياة! قد يعذرون لذلك،فالمرء لا يطيق المكوث في المشفى ساعة فكيف بمن يقضي معظم وقته رهينا فيها بين أنين المرضى و آلامهم وقرفهم !
بدا الشيخ حائرا لا يدري أي مسلك يسلك كي يصل إلى ابنه المريض ؟لم يتجرأ فيسأل أحد الزوار ،منظر تلك الوجوه العابسة لم يشجعه أن يستوقف أحدهم فيسأله !من ذا يخسر نصف دقيقة ليستمع لتفاهات الآخرين ،كل على عجلة من أمره ،ولا أحد يعبأ بالآخر.
تردد كثيرا قبل أن يستعين بإحدى الممرضات .دلته بفضاضة على الجناح الخاص بمرضى السرطان …وبعد لأي وجهد ،عثر أخيرا على ابنه ملقى بين الحياة والموت !من ذا يصدق أن ذلك الشاب الجلد الذي لم يجاوز الخامسة والعشرين ،سينتهي هكذا بين عشية وضحاها ؟أهي عين حاسدة أم لعنة أبيه حلت عليه؟…كان الأنبوب الموصول بحلقه يسمح له في مشقة بالتنفس.أما الكلام فلم يعد يجد إليه سبيلا !لكن الشيخ فهم كلاما كثيرا وهو ينظر في عيني ابنه.
لقد جرب وسائل كثيرة كي يمنع ابنه من التدخين ،كاد يجن حين رآه لأول مرة يمتص الدخان العفن وينفثه .حبسه أول الأمر في غرفة مايزيد عن الأسبوع !لكنه تحين غفلة وهرب فلاذ بعم له ثم جاء به فحلق رأسه وقيده بالسلاسل ،ولكن عاطفة الأبوة تحركت فيه حين رأى تدهور حاله ونحول جسمه وامتناعه عن الأكل ،فأشفق عل
الفصاحة هي الظهور و البيان.وهي غاية طلبة الأدب. إلا أن التعريض و الإشارة تفعل في النفوس أحيانا،ما تعجز عنه التشابيه و الاستعارات، ويقصر دونه الكلام المباشر.
و لقد حبس الحطيئة بسبب تعريضه بالزبرقان بن بدر في بيته المشهور:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها و اقعد فأنت الطاعم الكاسي
و المتأمل في هذا الكلام لن يجد لأول وهلة ذما و هجاء، وإنما وصفا للمخاطب بكونه طاعما كاسيا، وهي صفات مدح. و لكن الزبر قان تنبه إلى أن المقصود هو الذم لا المدح، و أن مراد الحطيئة هو:
( المطعم – المكسو). فشكاه إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، الذي لم يجد في البيت إدانة للحطيئة، ثم استدعى حسان بن ثابت، فكان ما كان من أمر محاكمته و سجنه، والقصة مشهورة.
و مما أذكر في هذا المجال أن أبا العلاء المعري كان في مجلس المرتضي، و هو أخو الشاعر المعروف الشريف الرضي. فتذاكروا أمر المتنبي. و المتنبي كما هو معلوم ملأ الدنيا وشغل الناس. و ما زال الناس فيه فريقين. فريق يرفعه، فيجاوز به عنان السماء. و فريق يتنقصه و يزدريه و يتتبع سرقاته، وعيوب شعره. و كان المرتضي من الفريق الثاني، فشرع يتكلم فيه كلاما، لم يرق أبا العلاء، فرد عليه قائلا:
( لو لم يكن لأبي الطيب المتنبي إلا قوله : " لك يا منازل في القلوب منازل" لكانت تشفع له). فغضب المرتضي و أمر به فسحب من رجليه حتى أخرج مهانا من مجلسه.
إن الذي يقرأ هذه القصة يستغرب رد فعل المرتضي !. لماذا كل هذا الغضب من بيت شعري لا يحتمل أي قدح؟!. ليس في هذا البيت إلا وقوف على الديار و بيان لمكانتها في نفس الشاعر. فلماذا غضب المرتضي إذن:
الواقع أن المرتضي التقط إشارة أبي العلاء بذكاء كبير و فهم مقصوده، فهو استشهد بمطلع القصيدة فقط و هو قول المتنبي:
لك يا منازل في القلوب منازل أقفرت منها و هي منك أواهل
ولكنه لم يكن يريد هذا البيت بالضبط، وإنما كان يقصد بيتا آخر من نفس القصيدة هو قول الشاعر:
و إذا أتتك مذمتي من ناقص









